في الذكرى السنوية الحادية عشرة لرحيل الشحرورة صباح، تعود إلى الواجهة إحدى أبرز الشخصيات التي عايشتها عن قرب طوال خمسة وعشرين عامًا، المخرجة كلودا عقل، ابنة الممثلة القديرة لميا فغالي وابنة شقيقة الأسطورة الراحلة.
علاقة عائلية تحوّلت إلى صداقة راسخة وشراكة إنسانية وفنية، جعلت من كلودا شاهدة على أدق تفاصيل حياة صباح في سنواتها الأخيرة.
ومع هذا القرب العاطفي والمهني، كانت كلودا نفسها صاحبة المبادرة في اقتراح فكرة تقديم حلقة خاصة تكريمية عن صباح في ذكرى رحيلها، لتعيد إحياء إرثها وإبرازه كما يليق بتاريخها. وبعد النجاح الكبير الذي حقّقته الحلقة على شاشة تلفزيون لبنان، كان لنا في موقع "الفن" هذا اللقاء الخاص معها، لنعود إلى كواليس التجربة، ونقترب أكثر من الذاكرة التي حملتها صباح، والوفاء الذي تحمله لها كلودا حتى اليوم.
1- عدتِ إلى الإخراج بعد عشرين عامًا على رحيل الشحرورة صباح لتقدّمي هذه الحلقة الخاصة عنها… قبل أن نتحدث عن العمل، حدّثينا عن طبيعة علاقتك المميّزة بصباح.
تعود علاقتي بصباح إلى طفولتي. كانت صديقة مقرّبة لوالدتي، وكنا نقضي معها أشهر الصيف في الإسكندرية، وهي من أجمل ذكريات حياتي. ومع مرور السنوات توثّقت العلاقة أكثر، خصوصًا منذ عام 1970 عندما حضرتُ تكريم الرئيس شارل الحلو لها ومنحها وسام الأرز برتبة فارس. في العام نفسه بدأت عملي في تلفزيون لبنان، ومع التزامي المهني وثقتها بي أصبحت أعتمد في الكثير من شؤونها الفنية، فكبرت صداقتنا وعمقُها.
أما عن عودتي اليوم بعد أحد عشر عامًا على رحيلها، فأنا في الحقيقة لم أنقطع يومًا عن متابعة إرثها. عام 2017 قدّمنا تحية ماراتونية لها، كما شاركتُ في برنامج عنها مع LBC، واليوم أخصّ بالشكر الدكتورة أليسار جعجع، رئيسة مجلس إدارة تلفزيون لبنان، التي رحّبت بالفكرة فور طرحها وقدّمت لي الثقة والدعم الكامل، إلى جانب فريق محترف عمل معنا بكل محبة.
2- ماذا تعلّمتِ من الشحرورة خلال سنوات تعاملكما القريب؟
صباح لم تكن تعلّم بقدر ما كانت تؤثّر. ما يأسر في شخصيتها هو تواضعها وسهولة قربها من الناس، على عكس ما قد يتوقعه المرء من نجمة بحجمها. تعلمتُ منها فن الحياة: الشغف، الطموح، حب التطور، وإيمانها بأن تعلّم لغة جديدة يصنع منك إنسانًا جديدًا.
كانت صاحبة حضور يمنح الراحة؛ أذهب إليها حين أثقلني الضيق فأعود مطمئنة. فكريًا كانت متقدمة، دقيقة في اختيار أغنياتها، تعرف كيف تحوّل الضعف الى قوة وكيف تحافظ على كرامتها وعنفوانها في أصعب الظروف.
3. بحكم معرفتك بالكثير من تفاصيل حياتها… هل تتضمن تلك الأسرار ما قد يكشف حقائق حسّاسة عن بعض الأشخاص؟
لكل إنسان أسراره، وصباح ليست استثناءً، خصوصًا مع حجم نجوميتها واتساع شبكة معارفها. هناك أسرار تُقال وأخرى تبقى في الصدر. لكنها كانت وفيّة، تحفظ الأمانة ولا تفشي سرًا لمن وضع ثقته بها، وهذا ما تعلمته منها. لذلك أحترم خصوصيتها ومكانتها، ولا أكشف أي شيء لم تتحدث عنه هي بنفسها.
4. من هم الضيوف المشاركون في الحلقة التكريمية، وما معايير اختيارهم؟
شارك في الحلقة: دولة الرئيس إيلي الفرزلي، المنتج صادق الصباح، الشاعر والكاتب هنري زغيب، الدكتور محمود زيباوي، الإعلامية هلا المر، مصمم الأزياء بسام نعمة، الإعلامية جوزيان بولّوس، الإعلامي جورج معلولي، المزيّن نعيم، الممثل جهاد الأطرش، نقيب الممثلين نعمة بدوي، والممثلة ليلى اسطفان.
اختيارهم جاء لأنهم من أهل المعرفة والثقافة، ولكون معظمهم شهد جزءًا من مسيرة صباح أو أسهم في محطّات مهمة من حياتها الفنية.
5. لماذا وقع اختيارك على الإعلامية لمى لوند لتقديم البرنامج؟
لمى تملك حضورًا محبّبًا وطبعًا عفويًّا يشبه فرح صباح وروحها المرحة. وهي تُكنّ محبة حقيقية لصباح، وكان اندفاعها وتفاعلها مع الفكرة من الأسباب الأساسية لاختيارها.
6. هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها صادق الصباح متحدثًا عن فنانة… كيف استقبلتِ هذه الخطوة؟
الأستاذ صادق الصبّاح تربطه علاقة إنسانية ومهنية عميقة بصباح وبعائلتها، تُرجمت في تعاونات سينمائية وفنية امتدت لأكثر من عشرة أعوام. مشاركته ليست مجرد شهادة، بل فعل وفاء متبادل. وهو دائم الحماسة لكل ما يخصّ صباح، ويتمتع بنظرة صائبة وحقيقية في اختياراته. أشكره من القلب، كما أشكر جميع من تعاون معي في هذا العمل.
7. ما الرسالة الأساسية التي تودّين إيصالها للجمهور من خلال هذه الحلقة الخاصة؟
رسالتي الأولى هي تذكير الجمهور بمسيرة صباح الفنية الكبرى. فهي نجمة بدأت بطلة سينمائية في مصر بعمر 17 عامًا عام 1945، واستمرت أكثر من 60 عامًا وقدّمت ما يزيد عن ألف أغنية ومجموعة واسعة من الأفلام والحفلات والمهرجانات والتكريمات حول العالم، من القارات العربية إلى أميركا حيث مُنحت الجنسية الأميركية تكريمًا لعطاءاتها.
أردت من خلال هذه الحلقة أن يفتخر الناس بإرثها، وأن يدركوا حجم الصوت اللبناني الذي حملته إلى العالم. إذا أردت أن أكون دقيقة فنحن نحتاج كتابًا لشرح مقامات صباح وأدائها، فلا يمكن الإستخفاف بحجمها ولذلك هي تحتاج إلى قراءة معمّقة من الصحافة والباحثين، وهذا ما يغفل عنه الكثيرون اليوم.
صباح ليست مجرد فنانة، هي جزء من الذاكرة الثقافية والفنية للبنان، وهذا ما أردت إبرازه بوضوح.
8. علمنا أنكِ ركّزتِ على الجانب المهني واستثنيتِ حياتها الشخصية… ما الهدف من هذا التوجّه؟
لأن ما يستحق أن يُروى هو إرثها المهني. حياتها الشخصية تحدثت هي عنها بمحبة وبحسن نية، رغم أنها لم تكن مضطرة لذلك. لكنني أفضّل أن تُستذكر صباح بما قدّمته من فن، بشخصيتها الراقية، بكرامتها ووطنية مواقفها، لا بالتفاصيل الخاصة التي استهلكها الإعلام. ما تبقى منها اليوم هو أرشيف ضخم يستحق الاحتفاء، وهذا ما ركّزتُ عليه.
9. قدّمت ألين لحود عملًا تكريميًا لصباح وقلّدتها في الإطلالة والشعر والمكياج. ما رأيك بهذا النوع من التكريم؟
نعرف جميعًا علاقة صباح المميزة بروميو لحود وتجاربها المسرحية معه لسنوات، وألين ابنة شقيقه. وهي تُشكر على أدائها وغنائها لصباح، فهي تملك صوتًا وحضورًا يليقان بالتكريم.
لكن برأيي الشخصي، لم يكن من الضروري تقليد شكل صباح وشعرها وكلّ التفاصيل، خصوصًا أن باسم فغالي كان من المقرر أن يؤدي هذا الجانب. كان يمكن لألين أن تبقى على طبيعتها وتقدّم التكريم من خلال صوتها وتميّزها كفنانة وأقول ذلك عن كامل محبة. ومع ذلك، أرحب بكل تكريم يقدَّم لصباح شرط أن يكون رفيعًا ويحفظ صورتها، لا أن يُستخدم للتهريج أو السخرية.
10 بعد هذا العمل التكريمي وكل ما حمله من مشاعر وذكريات، ما الرسالة الختامية أو الكلمة الأخيرة التي ترغبين بتوجيهها عن صباح وإلى جمهورها؟
أريد أن أقول في الختام أن صباح هي الحياة لا تغيب ولا تموت. تبقى حاضرة بأرشيفها، بشخصيتها، بأناقتها، بقدرتها على تحويل الحزن إلى فرح. هي أيقونة لبنان الفنية بحق.
أتذكر بحنان آخر أغنية سجّلتها مع ميشال جحا "قد ما فيك انبسط بعمرك"، غنّتها وكأنها في بداية مشوارها، بشغف لا يخبو. كانت تعمل بخوف جميل ومسؤولية كبيرة، وترغب دائمًا بأن تُحَب وأن تترك أثرًا في كل مكان.
كيف يمكن أن تُنسى؟ إنها مخلوق لا يُنسى. جمعت كل شيء، وأعطاها الله كل شيء، وتركت لنا إرثًا يستحيل أن يُمحى.




























